Jan 15, 2026

في الرياض،
الأكل لم يعد مجرد خيار يومي نقرره بدافع الجوع،
ولا صار محصورًا في فكرة “أفضل مطعم” أو “أشهر طبق”.
اليوم،
الأكل في الرياض يعكس شيئًا أعمق:
طريقة العيش،
إيقاع اليوم،
وطبيعة الناس أنفسهم.
مدينة بهذا الحجم، وبهذا التنوع،
من الطبيعي أن لا يكون لها ذوق واحد.
بل مجموعة أذواق،
تتجاور بهدوء،
وتتغير مع الوقت.

قبل سنوات،
كان من السهل وصف الذوق العام في الرياض.
أكلات معروفة،
أماكن مألوفة،
وتفضيلات متقاربة.
اليوم،
الوضع مختلف.
تجد في الشارع الواحد:
*مطعمًا شعبيًا مزدحمًا في وقت الغداء
*مطعمًا حديثًا يبحث عن تجربة مختلفة
*كافيهًا هادئًا للجلوس الطويل
*ومكانًا سريعًا لوجبة بلا تعقيد
هذا التنوّع لم يأتِ فجأة،
بل نتيجة طبيعية لتغيّر المدينة وسكانها.

في الرياض،
هناك شريحة كبيرة ما زالت تفضّل الأكل المألوف.
هذا الذوق لا يبحث عن التجديد،
بل عن:
*طعم يعرفه
*جودة ثابتة
*إحساس بالراحة
هو ذوق عملي،
يرى الطعام كجزء من روتين الحياة،
وليس كمساحة للتجربة.
هذه الفئة غالبًا تختار الأماكن التي “ما تخيّب”،
حتى لو لم تكن جديدة أو لافتة.
الثقة هنا أهم من المفاجأة.

في المقابل،
هناك ذوق آخر لا يمانع التجربة،
لكن ليس بدافع الاستعراض.
هذا الذوق:
*يجرّب
*يقارن
*ويعود لما يعجبه
لا يبحث عن الغرابة بحد ذاتها،
بل عن جودة مختلفة،
أو فكرة محسّنة،
أو تقديم أذكى.
هذا الذوق ساهم في رفع مستوى كثير من المطاعم،
ودفعها لتطوير قوائمها
بدل الاكتفاء بالتكرار.

في السنوات الأخيرة،
صار للمكان وزن أكبر في قرار الاختيار.
كثيرون يختارون المطعم بناءً على:
*الهدوء
*الجلسة
*الإضاءة
*الإحساس العام
ليس لأن الطعام غير مهم،
بل لأن التجربة الكاملة أصبحت مطلوبة.
هذا الذوق لا يطلب الفخامة،
بل الراحة.
ولا يبحث عن الزحام،
بل عن مساحة تسمح بالجلوس دون استعجال.

الرياض مدينة سريعة،
وهذا خلق ذوقًا عمليًا واضحًا.
ذوق يريد:
*وجبة جيدة
*وقت انتظار قصير
*تجربة بلا تعقيد
هذا الذوق لا يهتم كثيرًا بالتفاصيل،
لكنه يقدّر الجودة عندما تكون واضحة.
وهو ذوق حاضر بقوة،
خصوصًا في أيام العمل،
وساعات الذروة.

لأن المدينة لم تحاول توحيد الذوق.
لم تفرض قالبًا واحدًا،
ولا مسارًا محددًا.
بل تركت المجال مفتوحًا:
*للتقليدي
*للحديث
*للبسيط
وللتجريبي
وهذا ما جعل مشهد الأكل فيها مرنًا،
وقابلًا للتغير،
بدون أن يفقد هويته.

الأذواق ليست ثابتة،
والرياض تعرف ذلك.
ما كان مناسبًا قبل خمس سنوات
قد لا يكون اليوم.
وما هو رائج اليوم
قد يتغيّر غدًا.
هذا التغيّر لا يعني ضياع،
بل تطوّر.
مطاعم تغيّر قوائمها،
أماكن تعيد ترتيب جلساتها،
وتجارب تُبنى من جديد
بناءً على ما يريده الناس فعلًا.
في النهاية،
الأكل في الرياض أصبح يشبه الحياة فيها.
متعدد،
متغيّر،
وأحيانًا متناقض.
لكن هذا التنوّع
هو ما يجعله حقيقيًا.
ليس كل يوم نبحث عن التجربة،
ولا كل يوم نريد المألوف.
والمدينة،
بذكاء،
تترك لك الخيار.
اختلاف الأذواق في الرياض
ليس ظاهرة تحتاج تفسيرًا طويلًا،
بل واقع طبيعي لمدينة كبيرة.
هو دليل على نضج المشهد،
وعلى احترام الاختلاف،
وعلى أن الطعام لم يعد قالبًا واحدًا.
وفي مدينة تعيش بهذا التنوع،
ربما أجمل ما في الأكل
أنك تستطيع اختياره
كما أنت،
دون أن تغيّر نفسك.

حقوق النشر 2025, جميع الحقوق محفوظة ©